أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
37
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والمعنى : ولو صرفت فكرك الصحيح ، لأن تتدبر حالهم لازددت يقينا . وفي « لَوْ » هذه وجهان : أظهرهما : أنها الامتناعية ، فينصرف المضارع بعدها للمضي ، ف « إِذْ » باقية على أصلها من دلالتها على الزمن الماضي ، وهذا وإن كان لم يقع بعد لأنه سيأتي يوم القيامة ، إلّا أنه أبرز في صورة الماضي لتحقق الوعد . والثاني : أنها بمعنى « إن » الشرطية ، و « إِذْ » هنا تكون بمعنى « إذا » ، والذي حمل هذا القائل على ذلك كونه لم يقع بعد ، وقد تقدم تأويله . وقرأ الجمهور : « وُقِفُوا » مبنيا للمفعول من « وقف » ثلاثيا . و « عَلَى » يحتمل أن تكون على بابها ، وهو الظاهر ، أي : حبسوا عليها . وقيل : يجوز أن تكون بمعنى في وليس بذاك . وقرأ ابن السّميفع ، وزيد بن علي : « وقفوا » مبنيا للفاعل . و « وقف » يتعدى ولا يتعدى . وفرقت العرب بينهما بالمصدر ، فمصدر اللازم على فعول ، ومصدر المتعدي على فعل ، ولا يقال : أوقفت . قال أبو عمر بن العلاء : لم أسمع شيئا في كلام العرب : أوقفت فلانا إلّا أني لو رأيت رجلا واقفا فقلت له : ما أوقفك ههنا لكان عندي حسنا » . وإنما قال كذلك لأن تعدي الفعل بالهمزة مقيس ، نحو : ضحك زيد ، وأضحكته أنا . ولكن سمع غيره في « وقف » المتعدي : أوقفته قال الراغب : « ومنه - يعني من لفظ : وقفت القوم - أستعير « وقفت الدابّة » ، إذا سبّلتها - فجعل الوقف حقيقة في منع المشي ، وفي التسبيل مجازا على سبيل الاستعارة ، وذلك أن الشيء المسبل كأنه ممنوع من الحركة - والوقف لفظ مشترك بين ما تقدم ، وبين سوار من عاج ، ومنه : حمار موقف بأرساغه مثل الوقف من البياض » ، وقوله : يا لَيْتَنا قد تقدم الكلام في « يا » المباشرة للحرف والفعل . وقرأ . « ولا نكذب ونكون » - برفعهما - نافع وأبو عمرو ، وابن كثير والكسائي . وبنصبهما حمزة وحفص عن عاصم . وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر وأبو بكر . ونقل الشيخ « 1 » عن ابن عامر : أنه نصب الفعلين ، ثم قال « 2 » - بعد كلام طويل - : قال ابن عطية : « وقرأ ابن عامر في رواية هشام بن عمار عن أصحابه عن ابن عامر : « ولا نكذّب » بالرفع ، « وَنَكُونَ » بالنصب . فأما قراءة الرفع فيهما ، ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن الرفع فيهما على العطف على الفعل قبلهما ، وهو « نُرَدُّ » ، ويكونون قد تمنوا ثلاثة أشياء : الرد إلى دار الدنيا ، وعدم تكذيبهم بآيات ربّهم ، وكونهم من المؤمنين . والثاني : أن الواو واو الحال ، والمضارع خبر مبتدأ مضمر ، والجملة الإسمية في محل نصب على الحال من مرفوع « نُرَدُّ » ، والتقدير : يا ليتنا نردّ غير مكذبين ، وكائنين من المؤمنين ، فيكون تمنى الرّدّ مقيدا بهاتين الحالين ، فيكون الفعلان أيضا داخلين في التمني . وقد استشكل الناس هذين الوجهين بأن التمني إنشاء ، والإنشاء لا يدخله الصدق ولا الكذب ، وإنما يدخلان في الإخبار ، وهذا قد دخله الكذب ، لقوله تعالى : وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ « 3 » . وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه : أحدها : ذكره الزمخشري ، قال : هذا تمن تضمن معنى العدة ، فجاز أن يدخله التكذيب ، كما يقول الرجل : ليت اللّه يرزقني مالا ، فأحسن إليك ، وأكافئك على صنيعك ، فهذا متمنّ في معنى الواعد ، فلو رزق مالا ولم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه كذب ، وصح أن يقال له : كاذب ، كأنه قال : « إن رزقني اللّه مالا أحسنت إليك » .
--> ( 1 ) انظر البحر ( 4 / 101 ) . ( 2 ) أي صاحب البحر في المرجع السابق ( 4 / 102 ) . ( 3 ) سورة الأنعام ، آية ( 28 ) .